محمد بن جرير الطبري
408
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة : قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني اليهود والنصارى وغيرهم . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : قالوا يعني العرب ، كما قالت اليهود والنصارى من قبلهم . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ يعني اليهود والنصارى . قال أبو جعفر : قد دللنا على أن الذين عنى الله تعالى ذكره بقوله : وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ هم النصارى ، والذين قالت مثل قولهم هم اليهود ، وسألت موسى صلى الله عليه وسلم أن يريهم ربهم جهرة ، وأن يسمعهم كلام ربهم ، كما قد بينا فيما مضى من كتابنا هذا ، وسألوا من الآيات ما ليس لهم مسألته تحكما منهم على ربهم ، وكذلك تمنت النصارى على ربها تحكما منها عليه أن يسمعهم كلامه ويريهم ما أرادوا من الآيات . فأخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوا من القول في ذلك مثل الذي قالته اليهود وتمنت على ربها مثل أمانيها ، وأن قولهم الذي قالوه من ذلك إنما يشابه قول اليهود من أجل تشابه قلوبهم في الضلالة والكفر بالله . فهم وإن اختلفت مذاهبهم في كذبهم على الله وافترائهم عليه ، فقلوبهم متشابهة في الكفر بربهم والفرية عليه ، وتحكمهم على أنبياء الله ورسله عليهم السلام . وبنحو ما قلنا في ذلك قال مجاهد . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قلوب النصارى واليهود . وقال غيره : معنى ذلك تشابهت قلوب كفار العرب واليهود والنصارى وغيرهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ يعني العرب واليهود والنصارى وغيرهم . حدثني المثنى ، ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ يعني العرب واليهود والنصارى وغيرهم . وغير جائز في قوله : تَشابَهَتْ التثقيل ، لأَن التاء التي في أولها زائدة أدخلت في قوله : " تفاعل " ، وإن ثقلت صارت تاءين ؛ ولا يجوز إدخال تاءين زائدتين علامة لمعنى واحد ، وإنما يجوز ذلك في الاستقبال لاختلاف معنى دخولهما ، لأَن إحداهما تدخل علما للاستقبال ، والأَخرى منها التي في " تفاعل " ، ثم تدغم إحداهما في الأَخرى فتثقل فيقال : تشابه بعد اليوم قلوبنا . فمعنى الآية : وقالت النصارى الجهال بالله وبعظمته : هلا يكلمنا الله ربنا كما كلم أنبياءه ورسله ، أو تجيئنا علامة من الله نعرف بها صدق ما نحن عليه على ما نسأل ونريد ؟ قال الله جل ثناؤه : فكما قال هؤلاء الجهال من النصارى وتمنوا على ربهم ، قال من قبلهم من اليهود ، فسألوا ربهم أن يريهم الله نفسه جهرة ، ويؤتيهم آية ، واحتكموا عليه وعلى رسله ، وتمنوا الأَماني . فاشتبهت قلوب اليهود والنصارى في تمردهم على الله وقلة معرفتهم بعظمته وجرأتهم على أنبيائه ورسله ، كما اشتبهت أقوالهم التي قالوها . القول في تأويل قوله تعالى : قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ . يعني جل ثناؤه بقوله : قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ قد بينا العلامات التي من أجلها غضب الله على اليهود وجعل منهم القردة والخنازير ، وأعد لهم العذاب المهين في معادهم ، والتي من أجلها أخزى الله النصارى في الدنيا ، وأعد لهم الخزي والعذاب الأَليم في الآخرة ، والتي من أجلها جعل سكان الجنان الذين أسلموا وجوههم لله وهم محسنون في هذه السورة وغيرها . فأعلموا الأَسباب التي من أجلها استحق كل فريق منهم من الله ما فعل به من ذلك ، وخص الله بذلك القوم الذين يوقنون ؛ لأَنهم أهل التثبت في الأَمور ، والطالبون معرفة حقائق الأَشياء على يقين وصحة . فأخبر الله جل ثناؤه أنه بين لمن كانت هذه الصفة صفته ما بين من ذلك ليزول شكه ، ويعلم حقيقة الأَمر ؛ إذ كان ذلك خبرا من الله جل ثناؤه ، وخبر الله الخبر الذي لا يعذر سامعه بالشك فيه . وقد يحتمل غيره من الأَخبار ما يحتمل من الأَسباب العارضة فيه من السهو والغلط والكذب ، وذلك منفي عن خبر الله